لماذا تُعدّ الابتكار الأهم عندما تكون الظروف غير مستقرة

غالبًا ما يُنظر إلى البحث والتطوير والابتكار باعتبارها شيئًا تسعى إليه الدول عندما تكون الظروف هادئة والموارد وفيرة. لكن في الواقع، هذه المعادلة معكوسة. تصبح القدرة على الابتكار أكثر أهمية عندما تواجه الدول الاضطرابات، لأنها تمنحها القدرة على الاستجابة بسرعة أكبر، وتكييف الأنظمة تحت الضغط، وحماية الأهداف الوطنية طويلة الأمد في الوقت نفسه. وبالنسبة لدول الخليج، وبخاصة قطر، فإن هذا الأمر يكتسب أهمية في بيئة إقليمية تتسم بالتوتر الجيوسياسي، وهشاشة سلاسل الإمداد، وتصاعد المنافسة التكنولوجية.

لا يقتصر البحث والتطوير والابتكار على النمو المستقبلي فحسب. فهو جزء من كيفية استعداد الدولة للعمل بفعالية عندما تتغير الظروف الخارجية فجأة. وغالبًا ما تكون الدول الأقدر على امتصاص الصدمات هي تلك التي بنت بالفعل منظومات بحثية عميقة، ومؤسسات قادرة، ومسارات لتأهيل الكفاءات، وتنسيقًا قويًا بين القطاعين العام والخاص. وهذه الأصول لا تُنشأ في قلب الأزمة، بل تُبنى قبلها بسنوات من خلال التزام مستدام بالسياسات.

من الطموح طويل الأمد إلى أداة وطنية فورية

في الفترات المستقرة، يدعم البحث والتطوير والابتكار الإنتاجية والتنويع والقدرة التنافسية. أما في الفترات غير المستقرة، فيصبح أكثر إلحاحًا. فهو يساعد الحكومات والمؤسسات على حل المشكلات العاجلة، والحفاظ على الاستمرارية، وإعادة تصميم الأنظمة في الوقت الحقيقي. سواء جاء الاضطراب من صراع، أو جائحة، أو كوارث طبيعية، أو هشاشة مرتبطة بالتكنولوجيا، فإن القدرة على الابتكار تصبح قدرة تشغيلية. ولم يعد الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الدولة تقدّر البحث والتطوير والابتكار من حيث المبدأ، بل ما إذا كانت قد بنت ما يكفي من القدرات لاستخدامه عندما تكون السرعة هي الأهم.

لهذا السبب لا ينبغي التعامل مع الابتكار كأجندة جانبية خلال فترات الضغط. فالأزمات لا تقلل من أهمية البحث والتطوير والابتكار، بل تزيدها. والدولة التي تفتقر إلى عمق بحثي قوي، وقدرة تقنية، وجاهزية مؤسسية، تُجبر على التفاعل بخيارات أقل. أما الدولة التي استثمرت مبكرًا فلديها فرصة أفضل بكثير للاستجابة بمرونة وحماية مسارها التنموي.

التاريخ يثبت أن الأزمات تكافئ الأنظمة المستعدة

لقد أدت الأزمات الكبرى مرارًا إلى تسريع التقدم التكنولوجي، لكن تلك الاختراقات كانت تعتمد في الغالب على قدرات بُنيت قبل وقوع الطارئ بوقت طويل. فقد سرّعت ضغوط الحرب من التطورات في الرادار والحوسبة والطيران. كما أسهمت فترة الحرب الباردة في تطوير تقنيات مثل أنظمة الأقمار الصناعية، ونظام GPS، والإنترنت المبكر. ومؤخرًا، أظهرت فترة كوفيد-19 كيف يمكن توسيع نطاق المنصات العلمية والتشخيص والتقنيات الخاصة باللقاحات بسرعة عندما تكون القاعدة البحثية موجودة أصلًا.

والدرس هنا ليس أن الأزمة تُنتج الابتكار تلقائيًا، بل أن الأزمة تضغط الجداول الزمنية وتكشف أي الدول تمتلك بالفعل الأسس اللازمة للتحرك بسرعة. ويشمل ذلك المؤسسات البحثية، وأنظمة التمويل، والقدرة الصناعية، والكفاءات، والتنسيق الفعّال بين الجهات العامة والخاصة. ومن دون هذه الأسس، لا يكفي الطموح وحده.

ما الذي فعلته دول أخرى تحت الضغط

تُظهر أمثلة دولية حديثة أن الحكومات لا تهمّش عادةً البحث والتطوير والابتكار عندما تواجه ضغوطًا كبيرة. بل تميل إلى دفعه إلى مركز الاستراتيجية الوطنية. ففي سنغافورة، شهدت فترة كوفيد-19 تركيزًا قويًا على التشخيص، ثم على تعزيز قدرات التصنيع المرتبطة باللقاحات والمنتجات الحيوية كجزء من الاستعداد. وفي كوريا الجنوبية، دفع خطر سلاسل الإمداد أشباه الموصلات إلى موقع أعلى ضمن الأجندة الاستراتيجية، مع دعم إضافي لقدرات المنظومة والبحث والتطوير. وفي اليابان، أدرجت جهود إعادة الإعمار بعد فوكوشيما العلم والتكنولوجيا والبحث ضمن مساعي إعادة البناء والتنشيط على المدى الطويل، بما في ذلك إنشاء مؤسسات ابتكار مخصصة في فوكوشيما.

تشير هذه الحالات إلى النتيجة نفسها. فعندما تواجه الدول اضطرابات، لا يكون الرد الأذكى هو التراجع عن الاستثمار في الابتكار، بل إعادة توجيهه وتعزيزه نحو المرونة والأمن والقدرة التنافسية طويلة الأمد

لماذا تتمتع قطر بموقع أفضل من كثير من نظرائها

تدخل قطر هذه المرحلة بقاعدة أقوى من كثير من دول المنطقة، لأنها أمضت سنوات في بناء المؤسسات والبنية التحتية البحثية والاستراتيجية الوطنية حول الابتكار. وتمتلك الدولة إطارًا طويل الأمد واضحًا عبر قطر للبحث والتطوير والابتكار 2030، الذي يحدد عناصر التحول ومجالات الأولوية الوطنية للمنظومة. كما لديها الاستراتيجية الوطنية الثالثة للتنمية 2024–2030، التي تضع المرونة والاستدامة والتحول الاقتصادي في قلب المرحلة التالية من التنمية.

كما أن قطر أنشأت صندوق قطر الوطني للبحث العلمي في عام 2006، والذي وصفته الحكومة البريطانية بأنه أول صندوق بحثي من نوعه في الشرق الأوسط، ما وفر للدولة منصة مؤسسية مبكرة للتمويل التنافسي للبحوث. ومع مرور الوقت، تعزز ذلك بفضل الجامعات الكبرى، ومراكز البحث المتخصصة، والشراكات الدولية، ونظام ابتكار متنامٍ يرتبط بكل من الأولويات العامة وفرص القطاع الخاص.

وهذا يعني أن الدولة لا تبدأ من الصفر. فالتحدي الآن ليس كيف تُنشئ نظامًا للبحث والتطوير والابتكار من البداية، بل كيف تحمي النظام القائم وتستخدمه بصورة أكثر استراتيجية في بيئة أكثر غموضًا.

الخطر الحقيقي هو التباطؤ في اللحظة الخاطئة

لا يتمثل التهديد الأخطر في التأثير المباشر للاضطراب على التجارة أو الخدمات اللوجستية أو حالة عدم اليقين في السوق فحسب. فالخطر الأعمق هو التردد الاستراتيجي. فعندما تقلل الدول من الاهتمام بالبحث والتطوير والابتكار في الفترات الصعبة، فإنها تخاطر بخسارة أكثر من الزخم قصير الأمد. إنها تخاطر بتآكل المواهب، وإضعاف المؤسسات، وتراجع القدرة التنافسية، وتباطؤ وتيرة التكيف التكنولوجي. وما إن تبدأ هذه القدرات بالضعف، يصبح إعادة بنائها مكلفًا وبطيئًا.

وبالنسبة لقطر، فإن الحفاظ على الاستمرارية في البحث والتطوير والابتكار أمر مهم لأن المرونة لم تعد منفصلة عن التنمية. فالأنظمة التي تدعم الابتكار تدعم أيضًا الأمن والإنتاجية والقدرة الوطنية على التكيف. ومن هذا المنطلق، أصبحت سياسة الابتكار جزءًا متزايدًا من القدرة الوطنية نفسها.

من بناء القدرة إلى توظيفها

ينبغي أن تكون الخطوة التالية لقطر هي الانتقال من مجرد توسيع القدرات إلى استخدام تلك القدرات بصورة أكثر وعيًا. ففي الأوقات الهادئة، تركز السياسات غالبًا على بناء المؤسسات والكوادر والبنية التحتية. أما في الأوقات الأكثر تقلبًا، فيجب أن ينتقل التركيز إلى القدرة: كيف يمكن تعبئة المعرفة والتكنولوجيا والشراكات لتلبية الأولويات الوطنية العاجلة.

ويعني ذلك إعطاء أولوية أكبر للمجالات التي تخدم المرونة اليوم والقدرة التنافسية غدًا. فمجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الرقمية، وأنظمة الطاقة، وابتكار الخدمات اللوجستية، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، وأمن المياه والغذاء، تكتسب أهمية خاصة لأنها تقع عند تقاطع الاستعداد للأزمات والتحول الاقتصادي طويل الأمد. كما أن قطر للبحث والتطوير والابتكار 2030 يؤطر أجندة الابتكار القطرية حول مجالات الأولوية الوطنية وتحول المنظومة، بدلًا من الأنشطة البحثية المنفصلة.

الخيار الاستراتيجي أمامنا

الدرس السياسي الأوسع بسيط. فالدول التي تهمل الابتكار في الأوقات المستقرة تميل إلى المعاناة في الأزمات. والدول التي تقلص البحث والتطوير والابتكار عندما يرتفع الضغط تخاطر بالتراجع عندما تصبح القدرة التكنولوجية هي الأهم. أما الدول التي تحمي البحث والتطوير والابتكار وتعيد توجيهه خلال فترات الاضطراب، فمن المرجح أن تخرج أقوى وأكثر تكيفًا وأكثر قدرة على المنافسة.

وبالنسبة لقطر، فالمسألة ليست ما إذا كان الابتكار يستحق استمرار الدعم. بل إن الحجة الأقوى هي أن البحث والتطوير والابتكار يجب أن يُعامل باعتباره جزءًا من القدرة التشغيلية الاستراتيجية للدولة في فترتي الاستقرار والاضطراب على حد سواء. وفي عالم تعتمد فيه المرونة بشكل متزايد على المعرفة والتكنولوجيا وسرعة التكيف، فإن البحث والتطوير والابتكار ليس مسارًا اختياريًا للسياسات، بل هو أحد أسس الجاهزية الوطنية والقوة المستقبلية.

الإسناد إلى المصدر

هذه الصياغة المعاد كتابتها تستند إلى المقال الرأي البحث والتطوير والابتكار أساس المرونة الوطنية للدكتور محمد الحوسني والدكتور عبد الله حسين، المنشور في جلف تايمز.

تابعونا للمزيد:

فلك هي منصة رقمية شاملة لريادة الأعمال والابتكار في قطر، تجمع الشركات الناشئة ورواد الأعمال والمبتكرين للوصول إلى الموارد، والتعرّف على منظومة ريادة الأعمال القطرية. سواء كنت تبحث عن الأخبار، أو رؤى السوق، أو دليل الشركات الناشئة، أو فرص العمل في الشركات الناشئة، أو الاستشارات المتخصصة، ستجدها على فلك!

أحدث القصص

لا يتضمن هذا القسم حاليًا أي محتوى. أضف محتوى إلى هذا القسم باستخدام الشريط الجانبي.